الرئيسية / وثائقي / لماذا لا يحبون كوبر؟.. رحلة في عقل مشجع مصري

لماذا لا يحبون كوبر؟.. رحلة في عقل مشجع مصري

الجماهير المصرية

لماذا لا يحبون كوبر ؟.. رحلة في عقل مشجع مصري

علت في مصر أصوات تطالب بإقالة الأرجنتيني هيكتور كوبر من تدريب المنتخب بعد الفوز على أوغندا (1-0) وتصدر المجموعة الخامسة برصيد 9 نقاط. للوهلة الأولى، يبدو الأمر غير منطقي. كيف تفوز وتقترب من التأهل للمونديال بعد غياب دام منذ عام 1990 ويطالب كثيرون بإقالتك وإسناد المنصب لبديل محلي؟
ب
وللإجابة على هذا السؤال، يجب أولًا أن نفهم كيف تتعامل الجماهير المصرية مع كرة القدم؟ كيف تُقيم اللاعبين والمدربين وتحكم عليهم بالنجاح أو الفشل؟
نحاول في هذا التقرير، عبر استقراء أبرز تعليقات الجماهير على مباريات المنتخب المصري خلال عهد كوبر، أن نُبحر قليلاً داخل عقولهم للإجابة على هذا السؤال:

اللعبة الحلوة

المِزاج العام للجماهير المصرية مُحب للكرة الجميلة أو اللعبة الحلوة كما يقولون. المراوغات والتمريرات السريعة للكرة وإحكام السيطرة على مجريات المباراة أمور مفضلة لديهم.
لا تعبأ الجماهير بأن مراوغة واحدة خاطئة في دائرة منتصف الملعب قد ترتد بهدف. يفضلون مشاهدة لاعب مهاري قد تتسبب مراوغاته أحيانًا في خسارة الفريق للكرة في منطقة مهمة عن لاعب آخر لا يراوغ وإن أدي المهام المطلوبة منه بشكل مثاليّ دون أخطاء.

وبشكل عام، فإن اللاعب الحريف في مصر ذو حظوة، تُسبغ عليه الألقاب (الحاوي – الحراق – الساخر ..إلخ) ويُكال له المديح. وتنسى أخطاؤه وعثراته أمام مراوغة واحدة غير متوقعة.

البطل

لكل مباراة بطل. هذه قاعدة لا يمكن خرقها لدى الجماهير. سواءً كان الأداء قويًا أو ضعيفًا. انتهت المباراة بالفوز أو الخسارة أو التعادل لا يهم. يجب أن نتوّج أحد اللاعبين بطلاً للمباراة.
والبطولة هنا معيارها الأساسي الحسم ثم الامتاع، أمّا اللاعبون الأكثر التزامًا بالتعليمات الفنية وأصحاب الجهد الوفير داخل الملعب فهؤلاء خارج الحسابات.
وفي المباريات التي يظهر فيها الجميع بشكل باهت يكون الموهوبون الذي ينتزعون آهات الجماهير هم الأقرب لهذا اللقب.

الضحية

على الجانب الآخر، يجب أن يكون هناك شخص سيئ. خاصة في تلك المباريات التي تنتهي بالهزيمة. يجب أن يتحملها أحد. حتى لو تم إلقاء اللوم على الجميع فهناك لاعب بعينه سينال نصيبًا وافرًا من الانتقادات.

ومع جمهور يعشق اللعبة الحلوة فإن لاعبي الوسط المدافع المطالبون بحماية قلب الدفاع وبداية الهجمات سيكونون في واجهة الانتقادات. وخير مثال ذلك محمد النني والانتقادات التي نالها خلال منافسات كأس الأمم الإفريقية الأخيرة.

لعبة فردية

النقطتان السابقتان مردهما إلى قناعة راسخ في أذهان الجماهير؛ أن التفوق في الكرة وكذلك التعثر نتاج إبداع فردي ومهارة في المقام الأول قبل أن يكونا نتاج تدريب وتخطيط وعمل متكامل. التعامل مع اللعبة باعتبارها فقط موهبة تم صقلها هو الأساس في مصر. لذلك فالحديث المتكرر عن طرق اللعب والجوانب الفنية يبدو ترفًا لدى كثيرين. وهذا الأمر ترسخه البرامج المسؤولة عن تحليل المباريات بإسناد الفوز أو الهزيمة لشخص بعينه. والمبالغة في مدح لاعبين وذم آخرين.

المتهم الأخير

في لحظات الفرح والحزن يبقى المشهد الأخير حاضرًا وبقوة. إذا سجل الفريق هجمة بعد 6 تمريرات متقنة فإن اللمسة الأخيرة التي جاء الهدف عن طريقها هي التي ستبقى في الأذهان وكذلك اللمسة التي سبقتها حتى لو كان الجهد الأكبر قد بُذل في المراحل الأولى.

والأمر نفسه يتكرر وبصورة أكثر قسوة في لحظات الحزن؛ تلك التي تتلو تسجيل أحد الأهداف في شباكنا. فعلى سبيل المثال، إذا كان الفريق في مرحلة بناء الهجمة وأخطأ لاعب الوسط المحوري في تمرير الكرة وارتدت بهجمة لم يتعامل معها المدافعون أو الحارس بالشكل المثاليّ واهتزت الشباك، فستوجه أصابع الاتهام جميعها إلى الحارس والدفاع وسيتم تجاهل لاعب الوسط الذي كان السبب الرئيس في الهدف.

وعلى سبيل المثال، في مباراة مصر والمغرب في كأس الأمم الماضية نال كريم حافظ الظهير الأيسر الشاب انتقادات حادة بسبب ضعف مردوده الدفاعي دون الإشارة لأن محمود تريزيجيه لم يؤدِ مهامه الدفاعية. وبعد تغيير حافظ وانتقال أحمد فتحي للجبهة اليسرى عانى المنتخب 10 دقائق أخرى في وجود فتحي قبل أن يعود تريزيجيه للدفاع ويلتزم بتعليمات كوبر.

كريم حافظ

المحترف الخارق

هذه أزمة قديمة لكنّها تفاقمت في الفترة الأخيرة مع زيادة عدد المحترفين في أوروبا. تتعامل الجماهير مع اللاعب المحترف على أنه شخص يملك قدرات خارقة وتطالبه دائمًا بتقديم أداء يفوق زملاءه المحليين.

وكلما كان المحترف يلعب في مستوى أعلى كلما كانت التوقعات مرتفعة للغاية. هنا يتم التعامل مع كل هفوة بقسوة وحِدة وبتفسيرات مختلفة أشهرها على الإطلاق أن هذا المحترف يخشى أن يتعرض لإصابة خلال مشاركته مع المنتخب أو أنه “شاف نفسه” بعد اللعب والاحتراف في الخارج.

وكان هاني رمزي صاحب التجربة الاحترافية البارزة في الدوري الألماني أحد أبرز اللاعبين الذين توجّه لهم على الدوام تهمة الخوف من الإصابة مع المنتخب. وقد يسنّ المغرضون سكاكينهم ليتحدثوا عن عدم أهليته للاحتراف من الأساس.

هاني رمزي

أزمة انتماء

إذا كان تشجيع المنتخب يوّحد الجماهير على اختلاف انتماءاتها فإنه لا يمحي بالكلية أثر تلك الانتماءات خاصة لدى الفئات الأكثر تعصبًا لأنديتها.
لذلك، في مباريات المنتخب ستسمع أصواتًا تطالب الدفع بعناصر من الأهلي لأنهم أفضل من لاعبي الزمالك أو العكس. وفي حال الهزيمة سيحمل البعض لاعبي الفريق المنافس المسؤولية المباشرة لأنهم “غير جديرين باللعب في صفوف المنتخب”.
ولو سجل لاعب من فريقهم المفضل هدفًا لأقيمت الأفراح؛ بينما لو كان بقدم لاعب من المنافس فربما يكون “ضربة حظ”.

التقييم اللحظي

إذا ظهر عبدالله السعيد بمستوي سيئ في مباراة أو اثنتين ستتحدث الجماهير عن أنه لاعب انتهت أيامه الكروية، ويجب عليه الاعتزال أو اللعب لدقائق معدودة وإذا قدم أداءً مميزًا في المباراة التالية سيكون أفضل لاعب في مصر والأهم في المنظومة الهجومية للمنتخب وللأهلي أيضًا.
هذا التقييم المبني على انفعالات فقط يتغيّر أيضًا خلال المباراة الواحدة، فإذا راوغ محمد صلاح لاعبًا وسدد كرة متقنة سكنت الشباك سيكون أسطورة وفي طريقه ليكون الأفضل في تاريخ مصر وإذا فشل في المراوغة التالية سيقال عنه إنه مجرد لاعب سريع لا يجيد سوى الركض.

عن محمد فتحي

صحفي مصري
لحظات ..

اشترك في بريد كوراستاتس جازيت

حابب يصلك اشعار عند وجود مقالات جديده؟ ادخل البريد الالكتروني واسمك وسنوافيك بكل جديد.